ابن تيمية

157

مجموعة الرسائل والمسائل

وادعوا أن الرب لم يكن قادراً في الأزل على كلام يتكلم به ولا فعل يفعله ، وأنه صار قادراً بعد أن لم يكن قادراً بغير أمر حدث ، أو يغيرون العبارة فيقولون لم يزل قادراً ، لكن يقولون أن المقدور كان ممتنعاً وأن الفعل صار ممكناً له بعد أن صار ممتنعاً عليه من غير تجدد شيء ، وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا كان قادراً في الأزل على ما يمكن فيما لا يزال ، لا على ما لا يمكن في الأزل ، فيجمعون بين النقيضين حيث يثبتونه قادراً في حال كون المقدور عليه ممتنعاً عندهم ، ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل وبين عينه كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا وهذا بل الفلاسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم بقدمه ، فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول ، فإن الأدلة لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم بل تدل على أن ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن ، إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته كما تدل على ذلك الدلائل القطعية ، والفاعل بمشيئته لا يكون شيئاً من مفعوله لازماً بصريح العقل واتفاق عامة العقلاء ، بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله لازماً لذاته ، ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له ، ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة فكيف الفاعل بالإرادة . وما يذكر بأن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل يجري مجرى الشروط فإن الشرط لا يلزمه أن يتقدم على المشروط بل قد يقارنه كما تقارن الحياة العلم ، وأما ما كان فاعلاً سواء سمي أو لم يسمى علة فلا بد أن يتقدم على الفعل المعين ، والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شيء من مفعولاته ، ولا يعرف العقلاء فاعلاً قط يلتزمه مفعول معين ، وقول القائل حركت يدي فتحرك الخاتم هو من باب الشروط لا من باب الفاعلين ( 1 ) ولأنه لو كان قديماً فاعله موجباً بذاته في الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه ، ولو كان كذلك لم يحدث شيء من الحوادث وهذا خلاف المشاهدة ، وإن كان هو سبحانه لم يزل قادراً على الكلام والفعل بل لم يزل متكلماً إذا شاء فاعلاً لما يشاء ، ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال ،

--> ( 1 ) لينظر العطف في هذه الجملة الشرطية على أي شيء يقابله ، ولينظر جواب شرطها اين هو ؟